العيني
138
عمدة القاري
ذكر معناه وإعرابه : قوله : ( صلى النبي ) هذه الصلاة قيل : الظهر ، وقيل : العصر . وروى الطبراني من حديث طلحة بن مصرف عن إبراهيم به : أنها العصر ، فنقص في الرابعة ولم يجلس حتى صلى الخامسة . ومن حديث شعبة عن حماد عن إبراهيم أنها الظهر وأنه صلاها خمساً . قوله : ( قال إبراهيم ) أي : النخعي المذكور . قوله : ( لا أدري زاد أو نقص ) مدرج ، وفي رواية أبي داود : ( فلا أدري ) ، أي : فلا أعلم هل زاد النبي في صلاته أو نقص ، والمقصود أن إبراهيم شك في سبب سجود السهو المذكور ، هل كان لأجل الزيادة أو النقصان ؟ وهو مشتق من النقص المتعدي لا من النقصان اللازم ، والصحيح كما قال الحميدي : إنه زاد . قوله : ( أحدث ؟ ) الهمزة فيه للاستفهام ، ومعناه السؤال عن حدوث شيء من الوحي يوجب تغيير حكم الصلاة بالزيادة على ما كانت معهودة ، أو بالنقصان عنه . قوله : ( حدث ) بفتح الدال معناه : وقع ، وأما : حدث ، بضم الدال فلا يستعمل في شيء من الكلام إلاَّ في قولهم : أخذني ما قدُم وما حدُث ، للازدواج . قوله : ( وما ذاك ؟ ) سؤال من لم يشعر بما وقع منه ولا يقين عنده ولا غلبة ظن ، وهو خلاف ما عندهم حيث قال : صليت كذا وكذا ، فإنه إخبار من يتحقق ما وقع . وقوله : ( كذا وكذا ) ، كناية عما وقع إما زائداً على المعهود أو ناقصاً . قوله : ( فثنى ) ، بتخفيف النون ، مشتق من الثني أي : عطف ، والمقصود منه : فجلس كما هوهيئة القعود للتشهد . قوله : ( رجله ) بالإفراد ، وفي رواية الكشميهني والأصيلي : ( رجليه ) بالتثنية . قوله : ( لنبأتكم به ) : لأخبرتكم به ، وهذا من باب ؛ نبأ ، بتشديد الباء ، وهو مما ينصب ثلاثة مفاعيل ، وكذلك : أنبأ ، منباب أفعل ، والثلاثي : نبأ ، والمصدر ، النبأ ، معناه الخبر . تقول نبأ وأنبأ ونبأ ، أي : أخبر ، ومنه أخذ النبي لأنه أنبأ عن ا تعالى ، وللأم فيه لام الجواب . وتفيد التأكيد أيضاً ، وزعم بعضهم أن : اللام ، بعد : لو ، جواب قسم مقدر . فإن قلت : أين المفاعيل الثلاثة ههنا ؟ قلت : الأول : ضمير المخاطبين ، والثاني : الجار والمجرور ، أعني لفظة : به ، والضمير يه يرجع إلى الحدوث الذي يدل عليه قوله : ( لو حدث في الصلاة شيء ) ، كما في قوله : * ( أعدلوا هو أقرب للتقوى ) * ( المائدة : 8 ) . والثالث : محذوف . قوله : ( ولكن إنما أنا بشر مثلكم ) لا نزاع أن كلمة ؛ إنما ، للحصر ، لكن تارة تقتضي الحصر المطلق ، وتارة حصراً مخصوصاً ، ويفهم ذلك بالقرائن والسياق ، ومعنى الحصر في الحديث بالنسبة إلى الاطلاع على بوانط المخاطبين لا بالنسبة إلى كل شيء ، فإن لرسول الله أوصافاً أخر كثيرة . قوله : ( أنسى كما تنسون ) ، النسيان في اللغة خلاف الذكر ولحفظ ، وفي الاصطلاح : النيسان غفلة القلب عن الشيء ، ويجيء النسيان بمنى الترك كما في قوله تعالى : * ( نسوا ا فنسيهم ) * ( ولا تنسوا الفضل بينكم ) ( التوبة : 76 ، والبقرة : 732 ) . قوله : ( فذكروني ) أي : في الصلاة بالتسبيح ونحوه . قوله : ( وإذا شك أحدكم ) الشك في اللغة خلاف اليقين ، وفي الاصطلاح الشك : ما يستوي فيه طرف العلم والجهل ، وهو الوقوف بين الشيئين بحيث لا يميل إلى أحدهما ، فإذا قوي أحدهما وترجح على الآخر ، ولم يأخذ بما رجح ولم يطرح الآخر فهو الظن ، وإذا عقد القلب على أحدهما وترك الآخر فهو أكبر الظن ، وغالب الرأي ، فيكون الظن أحد طرقي الشك بصفة الرجحان . قوله : ( فليتحرَّ ) الصواب التحري : القصد والاجتهاد في الطلب والعزم على تخصيص الشيء بالفعل والقول ، وفي رواية لمسلم : ( فينظر أحرى ذلك إلى الصواب ) . وفي رواية : ( فليتحر أقرب ذلك إلى الصواب ) . وفي رواية : ( فليتحر الذي يرى أنه صواب . ويعلم من هذا أن التحري طلب أحد الأمرين ، وأولاهما بالصواب . قوله : ( فليتم عليه ) أي : فليتم بانياً عليه ، ولولا تضمين الإتمام معنى البناء لما جاز استعماله بكلمة الاستعلاء ، وقصد الصواب في البناء على غالب الظن عند أبي حنيفة وعند الشافعي : الأخذ باليقين . قوله : ( ثم يسجد سجدتين ) ، ويروى : ( ثم ليسجد سجدتين ) يعني للسهو . ذكر استنباط الأحكام منها : أن فيه دليلاً على جواز النسخ وجواز توقع الصحابة ذلك ، دل على ذلك استفهامهم حيث قيل له : أحدث في الصلاة شيء ؟ ومنها : أن فيه جواز وقوع السهو من الأنبياء . عليهم الصلاة والسلام ، في الأفعال . وقال ابن دقيق العيد : وهو قول عامة العلماء والنظار ، وشذت طائفة فقالوا : لا يجوز على النبي السهو ، وهذا الحديث يرد عليهم . قلت : هم منعوا السهو عليه في الأفعال البلاغية ، وأجابوا عن الوظاهر الواردة في ذلك بأن السهو لا يناقض النبوة وإذا لم يقر عليه لم تحل منه مفسدة بل تحصل فيه فائدة ، وهو بيان أحكام الناس وتقرير الأحكام ، وإليه مال أبو إسحاق الإسفرايني ، وقال القاضي عياض : واختلفوا في جواز السهو عليه في الأمور التي لا تتعلق بالبلاغ وبيان